- الخطب
- /
- ٠1خطب الجمعة
الخطبة الأولى:
الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
حاجة المجتمع البشري إلى ضوابط تحْكُم علاقاته و معاملاته :
أيها الأخوة الكرام ؛ المجتمع البشري في حاجةٍ ماسَّة إلى ضوابط تحْكُم علاقاته ، وتحكمُ معاملاته ، فلا تطْغى الغريزة على العقل ، ولا القوّة على الحقّ ، ولا الهوى على الواجب، ولا المنفعة الخاصّة على المصلحة العامّة ، إذا طَغَت المصلحة الخاصّة على المصلحة العامّة، إذا طغى الهوى على الواجب ، وإذا طَغَتْ القوّة على الحقّ ، وإذا طَغَت الغريزة على الحقّ ، هذا هو الفساد التي أشارَت إليه الآية الكريمة :
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ﴾
أيها الأخوة الكرام ؛ القوانين الوضْعِيَّة لا يمكن أن تكون ضابطًا للمجتمع البشري وَحْدها ، لأنّ سُلطان هذه القوانين على الظاهر لا على الباطن ، دائرة هذه القوانين في العلاقات العامّة لا في الشؤون الخاصّة ، مهمّتها أن تعاقب المسيء دون أن تكافئ المُحْسن ، ويمكن للإنسان أن يستخدم عقلهُ فيتحايلَ عليها ، ويمكن للإنسان أن يُطيع هواه دون أن يناله مكروه .
أيها الأخوة الكرام ؛ أن ينْسحب الإنسان من تبِعات القوانين الوضْعِيَّة ، هذا شيءٌ مَيْسور له ، وإذا كانت هذه القوانين الوضعيّة عاجزةً عن أن تكون رادعًا للبشر ، فهي أعْجَزُ عن أن تكون دافعًا إلى الخير ، لذلك لا تُحَلُّ المشكلة الاجتماعيّة حينما يفْشو الفساد ، وحينما يعمُّ البلاء ، لا تُحَلّ هذه المشكلة الاجتماعِيّة إلا من خلال الدِّين .
يا أيها الأخوة الكرام ؛ النبي عليه الصلاة والسلام لخّص بِعْثتهُ كلّها بِكَلمةٍ واحدة إنَّها الأخلاق ، قال عليه الصلاة والسلام : " إنّما بُعِثْتُ معلماً ، إنما بعثت لأُتمم مكارم الأخلاق..."
أخطر شيءٍ يُصيبُ الدِّين انحرافه عن مساره :
أيها الأخوة الكرام ؛ أخطر شيءٍ يُصيبُ الدِّين من أن ينحرف عن مسارهِ ، أن يستقرّ في حالة لمْ تكن في بدايات الدِّين ، أن يتّجِه الدِّين إلى حقول لا تعني صلاح المجتمع ، فَمِن أجل أن يكون الدِّين في آخر الزمان كما هو في أوّل الزمان ، من أجل ألا يحذف منه شيئًا من صلبِهِ ، ومن أجل ألا يُضاف عليه شيءٌ ليس من طبيعته ، لا بدّ من التَّقَيُّد بالكتاب والسنَّة ولا بدّ من محاربة البِدَع ، لا بدّ من محاربة حذف ما هو من الدّين بالضرورة .
أيها الأخوة الكرام ؛ الله سبحانه وتعالى حينما وصف النبي عليه الصلاة والسلام وصفهُ بِوَصف جامِعٍ مانِعٍ ، فقال :
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
أيها الأخوة الكرام ؛ قد ينحرف مفْهوم الدِّين في نظر المسلمين ، فيَغْدو فِكْرًا ليس غير ، أفكاراً تُعْرضُ وتُحَلّل ، نظريات تُطْرح ، وآراء يُدْلى بها ، نقْداً يُسْتَخدم ، إذا غدا الدِّين مُجَرَّد فِكْرٍ وثقافة ، ومجرّد معلومات ، وكان حياتنا في وادٍ آخر فقد انحرف الدِّين عن مساره الصحيح ، وإذا غدا الدّين عبادات جَوْفاء لا تعني شيئًا ، هي أشبه بالطقوس منها بالعبادات ، فقد انحرَفَ الدِّين عن مساره الصحيح ، يمكن أن نقول كما قال أحد كبار العلماء : إنّه ابن القيِّم يقول : " الدِّينُ هو الخُلق ، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدِّين " والخلق الحسن الذي ينطلق فيه الإنسان من ابْتِغاء مرضاة ربّه هو ثمن الجنّة .
فيا أيها الأخوة الكرام ؛ لا تنْسوا أنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال في الحديث الصحيح : " أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً .." والبرّ حُسن الخلق ، وما من شيءٍ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن ، فَلِئلاّ ينحرف الدِّين عن مساره الصحيح ، ولئلاّ يغْدُوَ مناقشاتٍ فارغة لا تُقدِّم ولا تؤخِّر ، لئلاّ يغْدُوَ طقوسًا لا معنى لها ، لئلاّ يغدُوَ في منهجٍ غير صحيح ، لا بدّ من أن نحافظ على جوهره باتِّباع الكتاب والسنّة ، ولا بدّ من أن تكون النصوص القطْعِيَّة من قرآن ومن سنّة بين أعيُننا ، أن نأخذها مأخذًا جِدِيًّا ، أن نقف عند معانيها الدقيقة ، أن نترسَّم أبعادها البعيدة ، إذا فعلنا ذلك ، كان هذا الفهم الصحيح مُعينًا لنا على أن نخْطُوَ الخطوة الصحيحة باتِّجاه الهدف الصحيح .
الدين في حقيقته خُلق :
أيها الأخوة الكرام ؛ هذه الحقيقة التي أضعها بين أيديكم ، وهي أنّ الدِّين في حقيقته خُلُق ، أحاديث كثيرة تزيد عن خمسين حديثًا ، الدِّين حسن الخلق ، إنّما بُعِثْتُ معلماً ، إنما بعثت لأُتمم مكارم الأخلاق ..قال تعالى :
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
وأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ، والبرّ حسن الخلق ، وما من شيءٍ أثْقلُ في ميزان المؤمن من خلق حسن ، فمن أدَّى العبادات ولم يكن خلقُهُ حسنًاً ، ومن جال فِكْرهُ في حقائق الدِّين ولم تكن سَجِيَّتُهُ حسنة فهو بعيد عن الدِّين ، لأنّ الله عز وجل كما قلتُ قبل قليل حينما وصف النبي صلى الله عليه وسلّم الذي هو قدْوَتنا ، وأُسْوتنا ، بماذا وصفهُ ؟ بأنَّه على خلقٍ عظيم .
أيها الأخوة الكرام ؛ هذه الحقيقة أدْركها بعض فلاسفة الغرب ، يقول فيْلسوفٌ غربي: الأخلاق من غير دينٍ عبثٌ لا طائل منها ، ويقول عالم آخر : إنّ الدِّين ومكارم الأخلاق هما شيء واحد لا يقبلا الانفصال ، فيُمكن أن يقيّم الإنسان لا من حديثه ولا من طقوسه ، ولكن يمكن أن يقيَّم من سُلوكه ، وهذا هو أفضلُ تقييم للمرء .
تصنيف علماء النفس النماذج البشرية التي تخلت عن هدفها في أربعة أصناف :
أيها الأخوة الكرام ؛ تصوَّروا إنسانًا لا يؤمن بِحَقائق الدِّين ، وليس له هدفٌ يسْعى إليه ، ولا رسالةٌ يحملها ، ولا تبِعَةٌ يخافها ، ولا مسؤوليّة يتحمّلها ، ولا هدفٌ يسعى إليه ، ولا مثلٌ يرْنو إليه ، تصوَّروا مثل هذا الإنسان ، إنسان يعيش على هامش الحياة ، وقد صنّف بعض علماء النفس النماذج البشريّة التي تعيش في معْزلٍ عن القِيم الروحيّة ، وعن الرسالات السماوية في أربعة نماذج ، فهناك الإنسان المُسالم الذي لا يشعرُ أحدٌ بِوُجوده ، لا يُقدِّم ولا يؤخِّر ، يعيشُ على هامش الحياة ، إنْ عاشَ لمْ يُنْتَفَع به ، وإن مات لا تبكي عليه أقاربه ، هذا الإنسان الخامل تنتهي كلّ أهدافه عند توفير طعامه وشرابه ، وتنتهي كلّ أهدافه في قضاء حاجاته ، لا يحملُ رسالةً ، ولا يسعى إلى هدف ، ولا يعرفُ سرّ وُجوده ، نعوذ بالله أن يكون الناس من هذا النموذج ، يعيشُ على هامش الحياة ، يعيش حياة بعيدةً عن القيم الإنسانيّة ، لا يعيشُ حياته كإنسان ، بل يعيشُها ككائنٍ يتغذَّى ويتحرّك ، فهذا نموذج .
نموذج آخر ، هو الإنسان البهيمي ، الذي يسْعى سعْيًا حثيثًا وراء شهواته الذي همّه بطْنه ، وهمُّه فرْجُهُ ، وهمُّه الدرهم والدينار ، وهمُّه الخميصة ، هذا الذي يبْحث عن شهوته ، ويصلُ إليها بأيّ ثمنٍ من دون رادعٍ ، ومن دون قيمة ، ومن دون خوفٍ ، هذا نموذج آخر ، الإنسان البهيمي .
أيها الأخوة الكرام ؛ حينما يغْفل الإنسان عن سرّ وُجوده ، حينما يغفل عن رسالته ، حينما يغفل عن ربّه ، وعن آخرته ، يغْدو أحد هذه النماذج ، هبطَ من مستوى إنسانيّته إلى مستوى البهيمِيَّة ، فهذا الإنسان البهيمي شِعارُهُ إنَّ الدنيا طعامٌ وشراب ومُدام ، فإذا فاتَكَ هذا فعلى الدنيا السلام ، وهذا نموذج نجدهُ في مجتمعات المسلمين .
نموذج ثالث ، عَصَبِيّ المِزاج ، يكيدُ لِخُصومه ، همُّه أن ينتصر عليهم ، مُتْعِبٌ ومُتْعَب ، يبْحثُ عن مشكلةٍ لِيَبني مَجْدهُ على أنقاضها ، مثل هذا النموذج مَوْجودٌ أيضًا ، وهذا النموذج لا يُحَقّق رسالة ، ولا يسعى إلى هدف ، ولا ينتمي إلى مبدأ يعيشُ له ، ولا إلى قيمةٍ يتمثّلها ، ونعوذ بالله من النموذج الرابع ، وهو الإنسان الشيطانيّ الذي يسْعى إلى الشرّ بِكُلّ طاقاته ، الذي لا تقرُّ عَيْنُهُ إلا إذا أوْقَعَ الأذى بالناس ، نموذجٌ شيطاني ، ونموذج عصبيّ ، ونموذج بهيميّ ، ونموذجٌ خامل ، هذه النماذج أيها الأخوة هي مصيرُ كلّ إنسان تخلّى عن رسالته ، وتخلّى عن هدفه ، ولم يكن النبي عليه الصلاة والسلام قدوَةً له ، ولم يعرف سرّ وُجوده، ولا حقيقة الدنيا ، ولا حقيقة الآخرة .
الدنيا لذة عابرة سريعاً ما تمضي :
أيها الأخوة الكرام ؛ ربّنا سبحانه وتعالى يقول :
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
وكلمة متاع تعني أنَّه لذَّةٌ عابرة ، سريعًا ما تمضي ، قال تعالى :
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
قال تعالى :
﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى ﴾
قال تعالى :
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾
أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان حينما يُعطي الدنيا حجمًا كبيرًا ، وحينما يظنّها بِحَجمٍ أكبر من حجمها الحقيقيّ ، وحينما تغرّه الشهوات ويسْعى وراء المكاسب وينسى رسالته مثل هذا الإنسان حينما تتقدَّم به السنّ ، وحينما يوشِكُ أن يُغادر الدنيا يمتلئ قلبهُ ألمًا وندمًا .
الدنيا من دون أن تكون بعدها آخرة صعْبة التفسير :
أيها الأخوة الكرام ؛ يقول الله عز وجل بعد هذه الآية :
﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾
كلامُ خالق الكون ، قال تعالى :
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾
ربّنا جلّ جلاله هو الخبير الخالق ، وهو ربّ العالمين يُقدِّم لنا هذا العرْض ، قال تعالى :
﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾
يا أيها الأخوة الكرام ؛ الدنيا من دون أن تكون بعدها آخرة صعْبة التفسير ، وتدع الإنسان في حَيْرة كبيرة ، أَيُعِدُّ لِحَياةٍ لا تزيد عن عشر سنوات أربعين عاماً ؟ متى يستقرّ الإنسان؟ ومتى تهدأُ نفسُه ؟ ومتى يقْوى عودُه ؟ بعد سنوات وسنوات ماذا يبقى ؟ وكم يبقى بعد هذا الاستقرار ؟ وكم يبقى بعد هذا الكَسْب ؟ لا يبقى إلا سنوات معدودة ، فَمِن دون أن تكون هناك آخرةٌ تُسوَّى فيها الحسابات ، مِن دون أن تكون هناك آخرةٌ تكون جزاءً للأعمال في الدنيا إن كانت خيرًا فخير ، وإن كانت شرًّا فشَرّ ، مِن دون أن تكون هناك آخرةٌ في حسابات كلٍّ مِنَّا فإنَّ الحياة الدنيا تغْدو كما قال الله عز وجل لعِبًا ، ولهْوًا ، وتفاخُرًا بين الناس .
التخلق بأخلاق الله عز وجل :
أيها الأخوة المؤمنون ، المؤمن مُكلّف بِأنْ يتخلَّق بأخلاق الله تعالى ، هذا الخُلق العظيم الذي أمرنا الله جلّ جلاله أن نتخلَّق به هو الذي يرفعنا من مستوى البهيميّة إلى مستوى الإنسانيّة ، فالله سبحانه وتعالى عليم حكيم ، وعلى الإنسان أن يطلب العلم والحِكمة ، وقد قال الله عز وجل :
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾
إنَّه العطاء الحقيقيّ ، قد يعطي الله الملْك لِمَن لا يحبّ ، ولمن يحبّ ، وقد يعطي المال لِمَن لا يحبّ ولمن يحبّ ، ولكنّه لا يعطي العلم والحكمة إلا لِمَن يحبّ ، قال تعالى:
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾
فيا أيها الأخوة الكرام ؛ كلّ إنسانٍ لا يطلب العلم ، لا يبحث عن الحقيقة العظمى في الحياة ، لا يعرف لماذا خلق ، كلّ إنسانٍ يعيشُ على هامش الحياة ، عطّلَ فيه الجانب الإنساني ، ونمّى فيه الجانب الحيواني ، فالله سبحانه وتعالى عليمٌ حكيم ، وقد أُمرنا أن نتخلَّق بأخلاق الله تعالى ، لذلك تُعَدُّ رتبة العلم أعلى الرتب ، والله سبحانه وتعالى رؤوف رحيم ، فما من إنسانٍ يقسو قلبهُ لبُعْدِهِ عن خالقه إلا ابتعَدَ بهذه القسوة عن إنسانيّته ، الشيء الذي يُميّز المؤمن تلك الرحمة التي يمتلىء بها قلبه ، تلك المشاعر الرقيقة التي يفيضُ بها وجدانه ، المؤمن ينْطوي على رحمة لا تعدلها رحمة ، والرحمة التي تزْرعُ في قلب المؤمن تتناسبُ تناسبًا دقيقًا مع اتِّصاله بالله ، فكلّما اقْتربْت من الله ازْداد قلبك رحمةً ؛ لِمَن ؟ للخلق كافَّةً ، وكلّما ابْتَعَدْت عن الله عز وجل امتلأ القلب قسْوةً ، فبين أن يمتلئ القلب قسْوَةً بالبُعْد عن الله فيغدو الإنسان كالوحش المفترس ، وبين أن يمتلئ القلب رحمةً بالإقبال عليه ، فيغْدُوَ الإنسان كالملك الكريم ، والله سبحانه وتعالى غنيّ كريم ، وعلى المؤمن أن يتخلّق وأن يغْتني بالعلم ، أن يغتني بالعمل الصالح ، أن يبني حياتهُ على العطاء لا على الأخذ ، المؤمن لا يسْعَد إلا إذا أسْعَدَ الناس ، إذا أردْتَ أن تسْعدَ فأسْعِدِ الآخرين ، وحينما يبني المؤمن أساس حركته على العطاء يسْعِدُهُ الله سبحانه وتعالى ، ويملأ قلبهُ غِنًى ، أما إذا بنى حياته على الأخذ فعندئذٍ يشْقى بهذا الهدف الخسيس ، ويغْدو المال بالنسبة إليه مصْدر شقاءٍ كبير .
أيها الأخوة الكرام ؛ والله سبحانه وتعالى صبورٌ حليم ، لذلك المؤمن الحقّ يتخلّق بالخلق القويم ، يصبر على الأذى ، يصبر على الخصومات ، لأنّه يرى أنَّ الفِعْل فعل الله ، وأن الأمر أمر الله ، وأنَّه كلّما صبَرَ وكلما كان أكثر حلمًا كان أقرب إلى الله عز وجل ، والله سبحانه وتعالى غفور شكور ، فمِن شأن المؤمن أن يشكر مَن أسْدى إليه معروفًا ، ومن شأن المؤمن أن يغفر زلاّت إخوانه ، شتان بين مؤمنٍ يشعر بِغِنى العلم والحكمة ، وغنى العمل الصالح ، يشعر بالكرم ، وأنّ حياتهُ مَبنيَّة على العطاء ، مؤمن يعلمُ ويتَّخِذُ من علمهِ وسيلةً لِمَواقفه الحكيمة ، شتان بين مؤمن غنيّ بالله كريم على خلق الله ، وبين إنسان فقير فقْرًا نفسيًّا ، جاحدًا للمعروف الذي يقدّم إليه .
حبُّ الدنيا أكبر خطرٍ يُهَدِّدُ الأخلاق و يدمرها :
أيها الأخوة الكرام ؛ ما هو الشيء الذي يدمّر الأخلاق ؟ الخطّة على المنهج التالي: لا تصلحُ حياتنا الفردِيّة ، والأسريّة ، والاجتماعيّة إلا بالأخلاق ، والدِّين أساسه الأخلاق ، ولا بدّ كي تستقيم حياتنا من أخلاق مبنيَّة على التديُّن الصحيح ، ولكن ما الذي يُدَمِّر الأخلاق ؟ ما الخطر الذي إذا بدا تلاشتْ الأخلاق ؟
أيها الأخوة الكرام ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :" حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة .." وحبّك الشيء يعمي ويصمّ ، والدنيا جيفة طلاّبها كلابها ، الدنيا دار من لا دار له ، ولها يسعى من لا عقل له ، الدنيا بِمَتاعها ، وبِمُغرياتها ، وبنِسائها ، وبأموالها ، وبِمَراكزها ومراتبها ، وبِما فيها من مُتَعٍ زائفةٍ هي أكبر خطرٍ يُهَدِّدُ الأخلاق ، ولكن لكي نكون واقعيِّين حبُّ الدنيا أصلٌ في فطرة الإنسان ، وما من إنسانٍ إلا ويُحبّ الدنيا بشَكلٍ أو بآخر ، ولكنّ الدِّين الحنيف نهى عن الغلوّ في حبّ الدنيا ، ما مقياس الغلوّ في حبّ الدنيا ؟ وما ضابط الغلوّ في حبّ الدنيا ؟ حينما يحملك حب الدنيا على معصيَة فقد أصبح حبّ الدنيا مرضيًّا ، وحينما يدفعك حبّ الدنيا إلى طاعة واتّباع منهج الله عز وجل ، فهذا الحبّ الذي به تُعْمر الأرض وتُنشأ به المجتمعات ، وكلّ شيءٍ زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه .
أيها الأخوة الكرام ؛ ما الذي يدعو الناس إلى أن يبيعوا صداقاتهم الثمينة ؟ إنّه حبّ الدنيا ، ما الذي يدعو أن يأخذ الإنسان ما ليس له ؟ إنّه حبّ الدنيا ، ما الذي يدعو الإنسان إلى أن يخون أمانته ؟ حبّ الدنيا ، ما الذي يدعو الإنسان إلى أن ينكث بعهده ؟ حب الدنيا ، ما الذي يدعو الإنسان على أن يجحد فضل من له فضل عليه ؟ حب الدنيا ، وما الذي يحمل الإنسان على أن ينسى واجباته ؟ حُبّ الدنيا ، وما الذي يحملُ الإنسان على أن يبْغي في الأرض بغير الحق ؟ إنّه حبّ الدنيا ، وما الذي يحمل البائع على أن يغشّ ؟ حبّ الدنيا ، وحبّ الكسْب الكثير ، ما الذي يحملُ الرجل على أن يتجبَّر ؟ حبّ الدنيا ، ما الذي يجعل الأغنياء يطْغَون ؟ حبّ الدنيا ، وما الذي يجعل العالم يكتُم علْمهُ وينطقُ بما ليس قانعًا به ؟ حبّ الدنيا ، ما الذي يجعل الإنسان يروِّجُ الكذب ويزوِّر الحقائق ؟ حبّ الدنيا ، وما الذي يدْعو الأديب أن يهْجُوَ الناس ؟ إنَّه حبّ الدنيا ، مِن أجل مَنْ تُسْفكُ الدّماء ؟ حبّ الدنيا ، ومن أجل من تُسْتباحُ الحرمات ؟ حبّ الدنيا ، من أجل من تُداسُ القِيَم ؟ حبّ الدنيا ، هكذا قال عليه الصلاة والسلام: " حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة ".
وأقول لكم أيها الأخوة هناك حبّ سويّ ، إذا زرعَ هذا الحبّ في قلبك كي تُؤسّس أسرةً ، كي تربّي أبناءً ، كي تتْقن عملاً ، كي تكْسب مالاً ، هذا الحبّ الذي أبقاك في منهج الله، وفي طاعة الله تعالى ليس حبًّا مرضِيًّا ، ولا تُلامُ عليه ، ولكنّ الحبّ الذي نهى الله عنه هو الحبّ الذي يحملكُ على المعصية ، أيُّ حبّ للدنيا حمَلَكَ على المعصِيَة ، جرَّكَ إلى مخالفة ، دفعك إلى اقْتراف ذنبٍ ، وشجَّعَك على أخْذ ما ليس لك ، هذا الحبّ الذي يحملك على معصِيَة الله تعالى ، وهو الحبّ المرضي الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلّم ، سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه ، قال وهو يُخاطب الدنيا : " إليْكِ عنِّي أيّتها الدنيا ، إلَيْكِ يا صفْراءُ ويا بيْضاءُ ، غُرِّي غيري ، ألي تَعَرَّضْت أم إليّ تشوَّفْت ؟ ما لي ولك ؟ والنبي عليه الصلاة والسلام في أرْوَعِ وصْفٍ يصف الدنيا ويقول : مثلي ومثلها كراكب اسْتظلّ في ظلّ صخرة ثمّ تحوّل عنها ...." شيءٌ يمضي سريعًا ، والمؤمن الحقّ يصدِّقُ الله عز وجل ، يقول الله عز وجل :
﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾
يصدِّقُ الله عز وجل حينما يقول :
﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾
حقيقة الدّين الخُلق الحسن و حبّ الدنيا يهدّد هذا الخلق :
الله سبحانه وتعالى وصَفَ الدنيا بآيات كثيرة ، فَمِنْ علامة إيمان المؤمن أن يصدّق الله في وصْفه ، قال تعالى :
﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾
هكذا وصف الله الحياة الدنيا ، قال تعالى :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾
حقيقة الدّين الخُلق الحسن ، ولا تنتظمُ حياتنا إلا بالخُلق الحسن ، الذي يهدّد الخلق الحسن هو حُبّ الدنيا ، ابْحَث ، ما من مشكلةٍ على وجه الأرض تقع إلا بسببٍ من حبّ الدنيا ، هذا الحبّ الأعمى ، وهذا الحبّ الجارف هو الذي حملَكَ على أن تأخذ ما ليس لك ، هو الذي حملكَ على العداوة والبغضاء ، هو الذي حملكَ على أن تجحد حقوق الآخرين .
والدنيا وصفها النبي عليه الصلاة والسلام حينما دخل عليه سيّدنا عمر رآهُ مضطجعًا على الحصير ، وقد أثّر الحصير في خدّه الشريف ، فبكى عمر قال : يا عمر ما يبكيك ؟ قال عمر : رسول الله ينام على الحصير وكِسرى ملك الفرس ينام على الحرير ؟! فقال له النبي عليه الصلاة والسلام : يا عمر ، إنَّما هي نبوَّةٌ وليْسَت ملْكًا ، أما ترضى أن تكون الدنيا لهم ، والآخرة لنا ، الذي يسعى لمرضاة الله هو الغني الحقيقيّ ، الذي يطلب العلم ليَعرف موقفه من الحياة هو الغنيّ الحقيقيّ ، الذي يبْحث عن رضا ربّه هو الفائز ، وهو المتفوّق ، وهو الفالح ، وهو الإنسان الذي يستحقّ كلّ تكريم ، الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾
الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾
أيها الأخوة الكرام ؛ لئلاّ نضيّع حياتنا سُدًى ، الدّينُ خُلقٌ حسن ، اُنظر إلى أخلاقك في بيتك ، ومع جيرانك ، وفي عملك ، ومع أقربائك ، وفي كلّ علاقاتك ، فإن كنتَ مطبِّقًا للسنّة النبويّة فأنت ناجٍ ومُفلح ، وأنت فائز ، وإن كانت أخلاقك في واد ، ومعلوماتك في واد ، فهذا هو النفاق ، وهذه هي الخسارة الكبيرة .
أيها الأخوة الكرام ؛ للموضوع تَتِمَّة نُتِمُّه إن شاء الله تعالى في الخطبة القامة .
أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنَّ ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلْنتَّخِذ حذرنا ؛ الكيّس من دان نفسه وعمل إلى ما بعد الموت ، والعاجز من أتبَع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .
* * *
الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
الصلة التي على أَساسها يقوم المجتمع المسلم :
أيها الأخوة الكرام ؛ أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام دقيقة بِشَكلٍ أنَّها ربّما كانت في وقت واحد هدفًا أمام المؤمن ، وربّما كانت في الوقت نفسه مقياسًا دقيقًا يقيسُ بها مُستواه الأخلاقي ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول وهذا من أُصول الأحاديث :
(( لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ))
في كلّ علاقاتك الاجتماعيّة ، في كلّ علاقاتك التِّجاريّة ، في كلّ شأنٍ من شؤون حياتك ، الطّرف الآخر ، أخوك الذي أمامك ، ضَعْ نفسكَ أمامه ، وتعامل معه بهذا التّصوّر ، فأنت حينما تكون أمام طاولة وأمامك مُراجِعٌ ، ضَعْ نفسكَ مكانهُ ، عاملْهُ كما تحبّ أن تعامل ، أنت حينما تكون مريضًا في عيادة طبيب ، أو أنت حينما تكون طبيبًا وأمامك مريض ضَعْ نفْسكَ مكانه ، وعاملْهُ كما تحبّ أن يعاملك ، أنت إذا كنت محامياً و جاءَكَ مُوَكِّل عاملْهُ كما يحبّ أن يُعاملكَ ، هذا مقياسٌ دقيق في الخلق ، جاء أعرابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، وقال : يا رسول الله ائْذَن لي بالزنا ؟ - كلمةٌ كبيرة جدًّا في حَضْرة النبي - فقام أصحابه إليه ، فقال عليه الصلاة والسلام : دعوهُ ، اُدْنُ منِّي يا عبد الله ، قال : يا عبد الله أتُحبُّه لأمّك ؟ فامْتلأَ رأسُهُ بالدمّ ، قال : لا ! فقال : ولا الناس يحبّونه لأمّهاتهم ، أَتُحِبُّه لأختك ؟ فقال : لا ! قال : ولا الناس يحبّونه لأخواتهم ، قال : أتُحِبُّه لابنتك ؟ فقال : لا ! قال : ولا الناس يحبّونه لبَناتِهِم ، فيقول هذا الرجل : دخلتُ إلى النبي عليه الصلاة والسلام وما شيءٌ أحبُّ إليّ من الزنا، وخرجْتُ من عنده وما شيءٌ أبغض إليّ من الزنا ، هذه الفتاة التي في بيتك ، زوجة ابنك، تصوَّرْها ابنتك ، كيف تُعاملْها ؟ بهذه الطريقة يكتشفُ كلّ إنسان قواعد السلوك الأخلاقي ، وهذا مجموع في كلامٍ جامعٍ مانعٍ : عامِل الناس كما تحبّ أن يعاملوك ، لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ، هذا في البيت ، ومع زوجتك ، تعامل أمّ زوجتك بِطَريقة لا ترضى أن تُعامل بها أمّك ، هذا تناقض ! بالمناسبة الإنسان حينما يتناقض يغْدو في صورة بشِعَةٍ جدًّا ، ما من صورة بشِعَةٍ يتلبّسها الإنسان كما لو تناقض مع نفسهِ ، لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ، لكنّ علماء الحديث حاروا في مَدلول كلمة أخيه ، يا ترى أخيه من الإسلام ؟ أخيه في الإيمان ؟ لا ، المطلق على إطلاقه ، لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه في الإنسانيّة ما يحبّ لنفسه ، لن تكون مؤمنا أساسًا ، الخلق كلّهم عِيال الله ، وأحبّهم إلى الله أنْفعهم لِعِياله ، وهذا الاتِّساع في فهْم الحديث يجعل الدِّين دينًا عظيمًا ، هذا الذي أمامك مخلوقٌ لله عز وجل ، يجب أن تستقيم معه ، ويجب أن تنفعهُ ، ويجب أن تحسن إليه ، إن لم تفْعل فأنت لسْتَ مؤمنًا، لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ، وقد أجمع علماء الحديث أنّ مفهوم الأخ هنا يُعدّ أوْسعَ مفهوم ، ألا وهو المفهوم الإنساني ، أخوك في الإنسانيّة ، ذكرتُ لكم في الخطبة السابقة أنّ الإنسان أحيانًا يتوهَّم أنَّه إذا أساء إلى أُناسٍ غير مؤمنين بالله عز وجل فإنّ الله يرضى عنه ، ولكنّ الحقيقة عكس ذلك ، قال تعالى :
﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾
هذا شِعار المؤمن ، لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ، وفي رواية أخرى : " وحتى يكرهُ له ما يكره لنفسه" فإذا عاهدت نفسك على أن تجعل هذا الحديث ناظمًا لكلّ علاقاتك مع الناس فأنت مؤمن وربّ الكعبة ، كنّتك عاملها كابنتك ، الأجير الذي عندك في المحلّ عامله كابنكَ ، عاملِ الناس كما تحبّ أن يعاملوك في أيّ مَنْصبٍ ، وفي أيّ حِرْفةٍ ، وفي أيّ مَوْقِعٍ ، وفي أيّ نشاطٍ ، وفي أيّ علاقة ، حينما تضع نفسك مكان الطَّرف الآخر تستقيم الموازين ، وتملك الميزان الدقيق ، الإنسان أيها الأخوة في فطرته يعرف الحقّ من الباطل، والخير من الشرّ ، والظلم من العدل ، في فطرته ، وهذا الحديث يساعدك دائمًا ضعْ نفسك مكان الطّرف الآخر ، دائمًا وأبدًا ضعْ نفسك مكان الطّرف الآخر ، وعامل الآخر كما تحبّ أن تعامل لو كنت مكانه ، هذه القاعدة أيها الأخوة هي مُرْشِدٌ لكلّ مؤمن لِمَعرفة ما ينبغي أن يفعل ، أبْشَع شيءٍ في الإنسان أن يستخدم مقياسين ؛ وأن يكيل بِمِكيالين ، والبشريّة الآن تكاد تخرج من جلدها حينما ترى في العالم مِكْياليْن ، ومِقياسَيْن .
الدعاء :
اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .